كيف يحلل الذكاء الاصطناعي تقارير الحوادث الوشيكة لمنع الإصابات الخطيرة
يصل تقرير حادثة وشيكة إلى بريد مدير السلامة: قطعة حديد زاوية سقطت من 3 طوابق من سطح مفتوح واستقرت على بُعد 4 أقدام من عامل بالأسفل. يراجعه مدير السلامة، ويصدر تذكيراً بشأن الحماية من الأجسام المتساقطة، ثم يحفظه في الملفات. بعد ثلاثة أسابيع، تقع حادثة وشيكة مشابهة في طابق مختلف من نفس المشروع. وبعد شهرين، يسقط جسم فعلياً على عامل في مشروع آخر عبر المدينة. كان النمط واضحاً في البيانات، لكن لم يربط أحد بين النقاط حتى أُصيب شخص ما.
مشكلة الحجم الكبير
تُنتج شركات البناء الكبيرة آلاف تقارير الحوادث الوشيكة سنوياً. قد يتلقى مقاول لديه 20 مشروعاً نشطاً من 50 إلى 100 تقرير حادثة وشيكة أسبوعياً خلال فترات الذروة. يتم مراجعة كل تقرير من قبل مسؤول السلامة في المشروع، ويتم تصعيد التقارير المهمة. لكن الأنماط التي تمتد عبر مشاريع متعددة وفترات زمنية متعددة وكُتّاب تقارير متعددين يكاد يكون من المستحيل على مراجع بشري واحد اكتشافها.
الحجم الكبير هو في الواقع مؤشر إيجابي. الشركات ذات ثقافة السلامة القوية تُبلّغ عن حوادث وشيكة أكثر لأن عمالها مدربون على توثيقها. معدل الإبلاغ المرتفع عن الحوادث الوشيكة هو مؤشر استباقي على نضج السلامة. لكن قيمة تلك التقارير تعتمد على ما إذا كان أحد يحللها بشكل منهجي للبحث عن أنماط.
قامت شركة بناء وطنية تضم 8,000 موظف بتطبيق تحليل النصوص بالذكاء الاصطناعي على قاعدة بيانات الحوادث الوشيكة التي تضم أكثر من 12,000 تقرير تمتد على مدى ثلاث سنوات. حدد الذكاء الاصطناعي 34 مجموعة أنماط مميزة لم يتم رصدها من خلال عملية المراجعة اليدوية. سبع من هذه المجموعات مثّلت ظروفاً متكررة أدت لاحقاً إلى إصابات فعلية. في كل حالة، كان النمط مرئياً في بيانات الحوادث الوشيكة قبل أشهر من وقوع الإصابة.
كيف يعمل تحليل النصوص بالذكاء الاصطناعي على تقارير السلامة
تقارير الحوادث الوشيكة هي عادةً أوصاف نصية حرة يكتبها العمال الميدانيون أو المشرفون. وتتفاوت بشكل كبير في التفاصيل وجودة الكتابة والمصطلحات المستخدمة. يكتب أحد العمال أن لوحاً سقط من السقالة. ويكتب آخر أن خشباً انزلق من منصة السقالة. ويكتب ثالث أن قطعة خشب 2×4 انفصلت من سطح العمل المؤقت. الثلاثة يصفون في جوهرهم نفس الخطر، لكن البحث بالكلمات المفتاحية لن يربط بينهم.
نماذج معالجة اللغة الطبيعية تفهم المعنى الدلالي للنص بدلاً من مجرد مطابقة الكلمات المفتاحية. فهي تحدد أن التقارير الثلاثة تصف نفس فئة الخطر: سقوط أجسام من أسطح عمل مؤقتة مرتفعة. كما يمكنها استخراج العوامل المساهمة المذكورة في السرد: ظروف الرياح، ومنصات العمل المزدحمة، وألواح الحماية السفلية غير الكافية، وتخزين المواد غير المؤمّن.
يقوم الذكاء الاصطناعي بتجميع التقارير المتشابهة في مجموعات ويتتبع تكرار المجموعات بمرور الوقت. مجموعة تقارير عن سقوط أجسام من السقالات تتزايد في تكرارها تشير إلى خطر ناشئ. ومجموعة عن مخاطر التعثر بالأسلاك الكهربائية تظهر باستمرار عبر جميع المشاريع تشير إلى مشكلة نظامية في ممارسات إدارة الأسلاك بدلاً من مشكلة خاصة بمشروع واحد.
ربط التقارير عبر المشاريع
من أكثر القدرات قيمة هي اكتشاف الأنماط عبر المشاريع. حادثة وشيكة تتضمن حفارة تصطدم بخط غاز غير مُعلّم في المشروع أ، مع حادثة وشيكة عن تحديد مرافق غير مكتمل في المشروع ب، وتقرير عن علامات مرافق باهتة في المشروع ج، تشكّل نمطاً يشير إلى أن عملية التحقق من مواقع المرافق في الشركة بها ثغرة.
هذا النوع من التحليل عبر المشاريع مستحيل عملياً من خلال المراجعة اليدوية. كل مسؤول سلامة في المشروع يرى تقاريره فقط. فريق السلامة المؤسسي يتلقى ملخصات لكنه عادةً لا يقرأ كل تقرير بالتفصيل. الذكاء الاصطناعي يقرأ كل تقرير، ويفهم المحتوى، ويُجري روابط لا يستطيع أي مراجع بشري واحد إجراءها لأنه لا يوجد شخص واحد لديه رؤية شاملة لمجموعة البيانات الكاملة.
الشركات التي تستخدم تحليلات سلامة البناء المدعومة بالذكاء الاصطناعي تجد أن الرؤى عبر المشاريع غالباً ما تؤدي إلى تحسينات سلامة أكثر تأثيراً من مراجعات الحوادث الفردية. تغيير عملية على مستوى الشركة بناءً على نمط تم اكتشافه عبر 8 مشاريع يمنع إصابات أكثر من معالجة حادثة واحدة في مشروع واحد.
التنبؤ بالخطورة من خصائص الحوادث الوشيكة
ليست كل الحوادث الوشيكة تحمل نفس احتمالية الضرر الجسيم. مطرقة سقطت من ارتفاع 4 أقدام لها احتمالية خطورة مختلفة عن مطرقة سقطت من 40 قدماً. يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي تقييم الخطورة المحتملة لأحداث الحوادث الوشيكة بناءً على الخصائص الموصوفة في التقرير: ارتفاع السقوط، وكتلة الجسم، وقرب العمال، والطاقة المتضمنة، ونوع الخطر.
يساعد تسجيل الخطورة هذا فرق السلامة في تحديد أولويات استجابتها. نمط عالي التكرار ومنخفض الخطورة مثل التعثرات البسيطة بأسلاك التمديد قد يستدعي تغييراً إجرائياً. نمط منخفض التكرار وعالي الخطورة مثل فشل الوصلات الإنشائية قد يستدعي مراجعة هندسية فورية وأمر إيقاف عمل محتمل حتى لو كانت هناك تقريران أو 3 تقارير فقط.
تسجيل الخطورة ليس دقيقاً تماماً، لأن تقارير الحوادث الوشيكة غالباً ما تفتقر إلى التفاصيل اللازمة لحساب الخطورة بدقة. لكنه يوفر تمييزاً كافياً لمساعدة مديري السلامة في تخصيص وقتهم المحدود للأنماط الأكثر احتمالاً أن تؤدي إلى إصابة خطيرة أو وفاة إذا استمرت دون معالجة.
تحسين جودة الإبلاغ
من الفوائد غير المتوقعة لتحليل الحوادث الوشيكة بالذكاء الاصطناعي تحسين جودة الإبلاغ. عندما يحدد الذكاء الاصطناعي أن معلومات معينة مفقودة من التقارير، مثل ارتفاع السقوط أو النشاط المحدد الذي كان يُنفّذ أو الظروف الجوية، يمكن لفريق السلامة تقديم ملاحظات للمُبلّغين حول التفاصيل المهمة. بمرور الوقت، تتحسن جودة التقارير، مما يُحسّن بدوره قدرة الذكاء الاصطناعي على إيجاد الأنماط.
بعض المنصات توفر ملاحظات فورية للعمال الذين يقدمون تقارير الحوادث الوشيكة عبر هواتفهم. أثناء كتابة العامل للوصف، يطلب الذكاء الاصطناعي التفاصيل المفقودة: ما هو الارتفاع التقريبي، كم عدد العمال في المنطقة، هل كانت المنطقة محاطة بحواجز. هذا النمط الموجّه للإبلاغ يلتقط بيانات أكثر فائدة دون مطالبة العامل بملء نماذج طويلة.
المقاومة التنظيمية
تطبيق تحليل الحوادث الوشيكة بالذكاء الاصطناعي يواجه أحياناً مقاومة من موظفي السلامة على مستوى المشروع الذين يشعرون أن حكمهم يتم التشكيك فيه بواسطة آلة. الصياغة مهمة. الذكاء الاصطناعي لا يُعيد تقييم استجابة مسؤول السلامة في المشروع للتقارير الفردية. إنه يحلل البيانات المجمّعة لإيجاد أنماط لا يستطيع أي مراجع فردي اكتشافها لأن الأنماط تمتد عبر تقارير كثيرة جداً على مدى فترة زمنية طويلة جداً.
مشاركة قصص النجاح تساعد. عندما يحدد الذكاء الاصطناعي نمطاً يؤدي إلى تحسين ملموس في السلامة، فإن توثيق تلك الحالة ومشاركتها عبر المنظمة يُظهر القيمة بمصطلحات ملموسة. مسؤولو السلامة الذين قاوموا في البداية غالباً ما يصبحون أقوى المؤيدين بمجرد أن يروا الذكاء الاصطناعي يكشف نمطاً كان لديهم حدس بشأنه لكنهم لم يستطيعوا إثباته من البيانات وحدها.
الهدف ليس أتمتة إدارة السلامة. الهدف هو منح محترفي السلامة أدوات أفضل للتعرف على الأنماط الضروري لمنع الحوادث الخطيرة. بيانات الحوادث الوشيكة التي تجمعها شركات البناء بالفعل تحتوي على معلومات استخباراتية قابلة للتنفيذ. الذكاء الاصطناعي هو الطريقة العملية لاستخراجها على نطاق واسع.